ابن ميثم البحراني

468

شرح نهج البلاغة

عن كلّ المخلوقات بل إنّما ذلك عن ضعف وإشفاق من خشية اللَّه ، وعقلن ما جهل الإنسان . قيل : إنّ اللَّه تعالى عند خطابها خلق فيها فهما وعقلا ، وقيل : إنّ إطلاق العقل مجاز في مسبّبه وهو الامتناع عن قبول هذه الأمانة كلفظ الإشفاق فإنّ عقليّة المكلَّف العقوبة على التقصير في تكليف يخيّر فيه ويخاف التقصير يستلزم تركه لذلك التكليف واستقالته منه ، وإذ لم يكن لها عقل من جهة ما هي أجرام أطلق لفظ العقل على لازمه وثمرته وهو الامتناع والإباء مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب كإطلاق لفظ الإرادة على ميل الحائط في قوله تعالى « جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ » ( 1 ) وأقول : يحتمل أن يعود الضمير في أشفقن وعقلن إلى من يعقل من الملائكة السماويّة . إذ لكلّ جرم سماويّ ملك يدبّره هو كالبدن له لإمكان ذلك فيها دون سائر الأجرام الأرضيّة ، وما جهله الإنسان هو عظمة اللَّه وغاية هذه الأمانة ، وتقصيره في أداء واجباتها المستلزم لعقوبته واستحقاق سخط اللَّه ، وكونه ظلوما : أي كثير الظلم لنفسه لعدم محافظته على هذه الأمانة ، وكونه جهولا : أي كثير الجهل بأسرار هذه الأمانة والغفلة عمّا يستلزمه فعلها وتركها وعن الوعيدات الواردة على التقصير فيها . وقوله : إنّ اللَّه لا يخفى عليه . إلى آخره . تنبيه لهذا الظلوم الجهول على إحاطة علم اللَّه تعالى بجميع أحواله واكتساباته في ليله ونهاره وأنّه لطيف الخبر والمعرفة بها ينفذ علمه في البواطن كما يقع على الظواهر . وقوله : أعضاؤكم شهوده . أي شهود له عليكم من قوله تعالى « يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » ( 2 ) ، وجوارحكم جنوده وذلك باعتبار كونها معينة عليهم ، وضمائركم عيونه : أي طلائعه وجواسيسه كقوله تعالى « وشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ » ( 3 ) وتلك الشهادة والإعانة بلسان الحال وقد عرفت كيفيّة

--> ( 1 ) 18 - 76 ( 2 ) 24 - 24 ( 3 ) 7 - 35 .